يرى ديفيد هيرست أن الحرب الإسرائيلية على إيران لم تحقق الأهداف التي سعت إليها تل أبيب، ما دفعها إلى إعادة توجيه استراتيجيتها نحو ساحات أخرى، وفي مقدمتها لبنان ثم تركيا. ويشير إلى أن إسرائيل تحاول تعويض ما فقدته من قدرة على فرض شروطها في المواجهة مع إيران عبر تثبيت نفوذها العسكري والسياسي في المشرق، مستندة إلى دعم أمريكي متباين يعكس انقسامًا داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


ويذكر ميدل إيست آي أن واشنطن رعت اتفاقين مختلفين جذريًا؛ أولهما مع إيران، ونص على وقف دائم للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما يشمل لبنان، مع تأكيد احترام السيادة الإيرانية. أما الاتفاق الثاني، الذي جمع الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، فقد منح القوات الإسرائيلية حرية البقاء في أجزاء واسعة من جنوب لبنان، وأنشأ آلية تنسيق عسكرية تُدار من واشنطن، وهو ما اعتبره مراقبون تناقضًا واضحًا مع بنود الاتفاق الأول.



اتفاق لبنان يثير غضبًا داخليًا ويكشف انقسامًا أمريكيًا



يفرض الاتفاق على الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله، رغم محدودية قدراته العسكرية مقارنة بإسرائيل، كما يمنح الحكومة اللبنانية التزامات تمنعها من ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين قانونيًا بشأن الجرائم المرتكبة خلال الحرب، بحسب خبراء قانونيين. وأثار ذلك موجة غضب واسعة داخل لبنان، خاصة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق في الجنوب، ونزوح أكثر من مليون شخص منذ أكتوبر 2023، إلى جانب مقتل ما لا يقل عن ثمانية آلاف شخص، بينهم صحفيون وعاملون في القطاع الصحي.



وحذر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري من أن تمرير الاتفاق قد يقود إلى فتنة داخلية، مؤكدًا أن بعض الأطراف تدفع البلاد نحو صراع أهلي جديد، بينما يسعى حزب الله، بحسب تعبيره، إلى احتواء التوتر.



ويربط الكاتب هذا المشهد بصراع داخل الإدارة الأمريكية نفسها. ويعكس الاتفاق مع إيران توجهًا يتبناه نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يرى أن استمرار الحرب لم يعد مجديًا بعد فشل الضربات الأمريكية والإسرائيلية في تحقيق تغيير للنظام الإيراني، إضافة إلى الخسائر التي تعرضت لها القواعد الأمريكية في المنطقة والهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.


في المقابل، يدافع وزير الخارجية ماركو روبيو عن رؤية مختلفة تقوم على استمرار الضغط على إيران، واعتبار نزع سلاح حزب الله شرطًا لأي سلام في لبنان، مع الإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي بوصفه ركيزة للنظام الإقليمي.


إسرائيل تنقل بوصلة المواجهة نحو تركيا



يرى الكاتب أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع تركيا باعتبارها التهديد الاستراتيجي الجديد، بعد أن تراجعت فرص المواجهة المباشرة مع إيران. وبرز هذا التوجه في تصريحات مسؤولين إسرائيليين، من بينهم نفتالي بينيت، الذي وصف تركيا بأنها "إيران الجديدة"، معتبرًا أن أنقرة توسع نفوذها في سوريا والمنطقة بالتعاون مع قطر.



وردد وزير شؤون الشتات عميحاي شيكلي الفكرة نفسها، معلنًا نهاية ما سماه "الإمبراطورية الشيعية الإيرانية"، وبروز محور جديد تقوده تركيا إلى جانب سوريا وقطر. كما صعدت وزيرة الاستخبارات السابقة جيلا جمليئيل خطابها بالحديث عن استعداد إسرائيل لمواجهة "الإمبراطورية العثمانية".


ويشير المقال إلى أن تل أبيب بدأت منذ أواخر عام 2024 في بناء هذه الاستراتيجية عبر تعزيز علاقاتها مع الأكراد والدروز داخل سوريا، ثم استغلت سقوط نظام بشار الأسد لتدمير القدرات البحرية والجوية السورية والتوغل في الجنوب السوري، مع السعي إلى فرض نموذج فيدرالي يقسم البلاد إلى كيانات طائفية، بما يحد من نفوذ الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع ويقوض الحضور التركي في سوريا.


كما حاولت إسرائيل، بحسب الكاتب، توسيع الضغوط على تركيا عبر تعزيز تعاونها العسكري مع قبرص، وتزويدها بمنظومات دفاع جوي، والحصول على امتيازات عسكرية في قاعدة بافوس، إلى جانب تشجيع مشاريع تسليح تستهدف موازنة القوة البحرية التركية في شرق المتوسط.


أنقرة تراهن على الردع وترفض الصدام المباشر


يؤكد الكاتب أن تركيا تعاملت بحذر مع التحركات الإسرائيلية، إذ فضلت التنسيق العسكري لتجنب الاحتكاك المباشر في سوريا، واستمرت قنوات الاتصال الأمنية بين الطرفين. كما واصلت صادرات النفط الأذربيجاني العبور عبر ميناء جيهان نحو إسرائيل خلال الحرب على غزة، وهو ما أثار انتقادات داخل تركيا.


لكن المزاج الرسمي في أنقرة بدأ يتغير مع اتساع الخطاب الإسرائيلي ضدها، إذ باتت القيادة التركية تتعامل مع التهديدات باعتبارها مشروعًا استراتيجيًا طويل الأمد، لا مجرد تصريحات للاستهلاك الداخلي.


ولهذا تسارع تركيا إلى تعزيز قدراتها العسكرية عبر تطوير المقاتلة الشبح "قآن"، وتسريع بناء حاملة طائرات جديدة يزيد وزنها على ستين ألف طن، إلى جانب إنشاء عشرات السفن الحربية وتحديث منظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، فضلًا عن توسيع التعاون العسكري مع مصر ودول أخرى في المنطقة.


ورغم ذلك، ترى دوائر الدفاع التركية أن اكتمال منظومة الردع يحتاج إلى ما بين ثلاث وخمس سنوات، وهو ما يدفع أنقرة إلى كسب الوقت، مع التركيز على بناء شراكات دفاعية مع السعودية وباكستان، وهما الدولتان اللتان شاركتا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران.
 

ويخلص الكاتب إلى أن إسرائيل تواصل تنفيذ رؤية تقوم على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط عبر إنشاء مناطق عازلة وفرض وقائع عسكرية جديدة في لبنان وسوريا وغزة، محذرًا من أن الاعتماد على الضغوط الدبلوماسية أو العلاقات مع واشنطن لن يكفي لوقف هذا المسار. ويؤكد أن امتلاك قوة ردع حقيقية وحده قادر على منع إسرائيل من مواصلة سياسة "القتل أولًا"، وأن تأخر دول المنطقة في بناء موقف جماعي سيجعلها تواجه تحديات أكبر خلال المرحلة المقبلة.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/israels-kill-first-strategy-now-aimed-turkey-will-region-respond